محمد بن راشد قائـــداً

في السادس عشر من يناير 1968، أعلنت الحكومة البريطانية عزمها سحب قواتها من منطقة الخليج، منهية بذلك التزاماتها الأمنية في المنطقة. وبهذا الانسحاب تعين على القائمين على إمارة دبي ضمان مستقبل آمن ومستقر للإمارة، ليلعب سمو الشيخ محمد دوراً بارزاً في ذلك.

وفي الثامن عشر من فبراير من العام 1968، تم عقد لقاء بين صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حاكم إمارة أبوظبي وأخيه المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم إمارة دبي، في مكان ما بالصحراء للاتفاق على إقامة اتحاد بين الإمارتين. وحول هذا الاجتماع، كان لسمو الشيخ محمد بن راشد، الذي عاد لتوه آنذاك من بريطانيا ليرافق والده إلى الاجتماع، تصريح، قال فيه :"إن الاجتماع بـدأ بكلمات بسيطة أذكر منها "إذاً، يا راشد، ما رأيك؟ هل سنقيم الاتحاد؟" سأل صاحب السمو الشيخ زايد، ومن دون تردد رد الشيخ راشد شارعاً يده" أعطني يدك، زايد، لنعقد اتفاقاً وسوف تكون الرئيس".

سمو الشيخ محمد بن راشد اثناء تخرجه من كلية مونز

 

وكان هذا الاتفاق نواة لإقامة اتحاد أوسع، ليستمر لسنوات عدة ويشمل سمو الشيخ محمد و والده و اخوته. وحتى يتمكن سموه من القيام بدوره المستقبلي في الحكومة، كان لابد له من الإلمام بأمور عسكرية، وعليه التحق بكلية مونز العسكرية في منطقة الديرشوت، التي تبعد قرابة أربعين ميلاً عن العاصمة لندن في الجزء الجنوبي من المملكة المتحدة. وفي الشهور الموالية كان لا بد ان يتعرض سموه لأقسى أنواع التدريب، الذي تفرضه العسكرية البريطانية على الضباط. وفي المراحل المتأخرة من الدورة، التي دامت ستة شهور، تمت ترقية سمو الشيخ محمد إلى وكيل لسرية كوهيما، ليتم بعد ذلك منحه سيف الشرف لتفوقه على زملائه الضباط من الدول الغربية ودول الكومنولث.

المغفور له الشيخ راشد بن سعيد وسمو الشيخ محمد بن راشد

 

وفي الأول من نوفمبر 1968، قام الشيخ راشد بتعيين الشيخ محمد رئيساً للشرطة والأمن العام، وهو أول منصب يتقلده سموه. وفي الثاني من ديسمبر 1971، عقد حكام إمارات كل من أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان والفجيرة وولي عهد أم القيوين ممثلاً لوالده، اجتماعاً في قصر شاطئ الجميرا في دبي، حيث قاموا بتوقيع أول دستور مؤقت لاتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي الأيام الموالية ليوم التوقيع، قام صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم، رئيس الوزراء المعيّن بتعيين أخيه سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وزيراً للدفاع، ليصبح سموه آنذاك أصغر وزراء الدفاع في العالم سناً. كما قام صاحب السمو الشيخ مكتوم بمنح سمو الشيخ محمد رتبة لواء.

وفي أقل من عام، بدأ دور سموه يحتم عليه التعامل مع قضايا شاملة، مثل الحرب العربية الإسرائيلية، ومحاولة الانقلاب العسكري في احدى دول الجوار، واختطاف طائرة وهي جاثمة في مطار دبي الدولي. في هذه الأثناء كان سموه يحاول إقامة قوة دفاع وطنية موحدة، وكانت أول مهمة عسكرية لقوة الدفاع الوطنية في عام 1976، حيث أرسل سمو الشيخ محمد قوات إلى لبنان للمشاركة في قوة الردع العربية، من أجل المحافظة على الأمن والسلام في تلك الدولة الشقيقة.

وقد اعتمد الشيخ راشد كثيراً على أبنائه في عملية تحويل دبي إلى مركز تجارة، إذ أنيطت بسمو الشيخ محمد مسؤوليات جمة، منها توليه الإشراف على مشاريع كبيرة، أهمها مشروع حوض دبي الجاف؛ اكبر مشروع في الشرق الأوسط. وفي 25 أغسطس 1977، شكل الشيخ راشد لجنة لإدارة مطار دبي الدولي، وعيّن سمو الشيخ محمد مسؤولاً عنها، فأصبح بذلك تطوير دبي كمركز سياحي وملاحي اكبر الإنجازات الملموسة التي تكفل بتحقيقها سمو الشيخ محمد، إذ تبنى سياسة الفضاء المفتوح، وأخذ يعمل لوضع أسس الصناعة السياحية التي انبثقت في عام 1990.

خلال هذه الفترة، أوكلت إلى سمو الشيخ محمد مسؤولية "بترول دبي"، وتعد هذه المهمة إحدى أكثر المهام حيوية وأهمية في حكومة دبي، إذ إنها الرافد الأساسي لاقتصاد الإمارة. واستمد مجلس سمو الشيخ محمد بن راشد طاقته وحيويته من مجلس والده الشيخ راشد، الذي وصف بأنه دائرة الفرسان العربية المستديرة (شبيه بمجلس الملك آرثر الذي كان تلتف حوله نخبة من الفرسان). ويقول رجل الأعمال، محمد النابودة: " إن الجو الذي يسود مجلس سمو الشيخ محمد يشجع على الإبداع ويتيح لكل إبداء رأيه، فسموه لا يحول بين الناس وبين أفكارهم. إن مثل هذا المناخ الذي يتسم بالانفتاح يحفز على الابتكار، وفي مجلسه، يحث سمو الشيخ محمد مجالسيه على إبداء آرائهم، ويستفز أذهانهم عبر الاستمطار الذهني للخروج بأفكار خلاّقة. إن المجلس يخرج أفضل القرارات وأفضل العقول ويصقل قدرات الجميع".

الشيخ راشد والشيخ محمد بن راشد

ومع حلول شهر مايو من عام 1981، أصيب  الشيخ راشد بمرض أقعده عن تحمل مسؤولياته، فثقل عاتق سمو الشيخ محمد كباقي اشقائه بعبء مسؤوليات جديدة في انتظار شفاء والدهم. وما يسجل كذلك في هذه الفترة العصيبة في حياة آل مكتوم، هو تعاضد أفرادها بعضهم مع بعض، بفضل نضجهم وتبلور شخصياتهم، وذلك هو العزاء الأكبر الذي خفف من آلام الوهن لدى الشيخ راشد، الذي لم يأل جهداً خلال العقود الماضية في بذل الغالي والنفيس من أجل تنشئة أنجاله رجالاً يعتد بهم، أقوياء عند الشدائد، مبدعين لحظة الأزمات.

يقول أحد المقربين: "إن صاحب السمو الشيخ مكتوم، وسمو الشيخ حمدان، وسمو الشيخ محمد كانوا وقتها على اتصال تشاوري دائم ومستمر، فلا يستجد أمر إلا ويهم الثلاثة للتعاطي معه. لقد كانوا يتبادلون المعلومات ويتشاورون حول كل صغيرة وكبيرة، لينبثق في النهاية رأي أو قرار واحد ليس ملك أحدهم بمفرده، بل هو قرار الثلاثة جميعاً".

هذا التشارك في إدراك الأمور، والتعامل معها، وبالتالي الوحدة في اتخاذ القرار، لم يخص رؤيتهم للأحداث المحلية فحسب، بل انسحب على تعاملهم مع العالم الخارجي في فترات سلمه وأزماته. وذلك ما كان أثناء اجتياح لبنان، والحرب العراقية الإيرانية واندلاع الانتفاضة الفلسطينية في التاسع من سبتمبر 1987، إذ قام سموه بدعم حكومة دبي في مسيرتها نحو دعم الإخوة في تلك المناطق.

ولم يكتف سموه بهذا، بل ذهب بنفسه إلى شمالي لبنان على متن طائرة لالقاء المساعدات وجلب جرحى العدوان إلى الإمارات لتلقي العلاج. ومن عملية اجتياح لبنان إلى الانتفاضة الفلسطينية المباركة، التي اندلعت في التاسع من ديسمبر من عام 1987، مروراً بالحرب العراقية الايرانية، تفرد سمو الشيخ محمد باندفاعه الذي لا يكل في تقديم المساعدات باسم حكومة دبي، ودولة الإمارات العربية المتحدة.

وقد علق المحلل المالي، كلينتون جونز، قائلاً: لم يركن أبناء الشيخ راشد خلال الأزمة العاتية في انتظار انفراجها، بل سعوا بكل ما جادت به قرائحهم لتجنب الغرق جراء تلاطم أمواج الأزمات التي ضربت المنطقة، إذ ركزوا جل اهتمامهم وانشغالهم في كيفية ضمان استقرار دبي، فاهتدوا إلى مضاعفة استثماراتهم في أوروبا وأمريكا الشمالية، كما قاموا كذلك، بهدف رفد اقتصاد دبي، بصرف المزيد من الأموال لإنشاء مزيد من مشاريع البنية التحتية، الشيء الذي أدى إلى تثبيت ثقة دبي في نفسها وفي مستقبلها، والذي أسهم بدوره في تحاشي إصابة اقتصاد دبي بالعلل التي كانت تحاصر المنطقة، فانطلقت المؤسسات فيها تستشرف المستقبل، لتصل دبي إلى ما هي عليه اليوم".

ومن انجازاته الرائعة مبادرته بإنشاء شركة طيران جديدة خاصة بدبي. وفي تفاصيل الحدث نقرأ أن سموه استدعى في غرة يناير من عام 1985 موريس فلانجان، المدير العام لسلطة سياحة دبي الوطنية، لقصره في زعبيل، وقال له: "أريد أن أنشئ شركة طيران، كم يتكلف ذلك؟ وكم تستغرق عملية الإنشاء؟". ولأن فلانجان كان يدرك مسبقاً أن سمو الشيخ محمد ليس من شاكلة الرجال الذين يمهلون في تلقى الإجابة، فإنه رد سريعاً" "عشر ملايين دولار أمريكي".".

الشيخ راشد والشيخ محمد بن راشد

 

ولتحويل الفكرة إلى واقع، باشر سموه في تشكيل فريق عمل يناط به أمر تطوير الفكرة، محيطاً ذلك بسرية تامة، لتلوح في الخامس والعشرين من أكتوبر من العام نفسه أولى طائرات "طيران الإمارات" تحلق في سماء المنطقة لأول مرة، مجسدة طموح سموه لواقع ملموس. وفي العام نفسه أرسى سمو الشيخ محمد مركزاً صناعياً مهماً في ميناء جبل علي، ليكون ذلك دليلاً آخر على ما قاله موريس فلانجان آنفاً.

وحول ذلك، قال سلطان بن سليم، مدير منطقة جبل علي الحرة (JAFZA):"إن أهم النقاط التي ركز عليها سمو الشيخ محمد أثناء متابعته لانشاط منطقة جبل علي الحرة، العمل على جعل الإجراءات بسيطة وسلسة، كما أن سموه شدد على جعل بنية "JAFZA" التحتية تخضع للمواصفات العالمية، حتى تتمكن من تقديم أفضل الخدمات".

العودة إلى الصفحة الرئيسية

أختر تصميم موقعك المميز وكن مميز عن غيرك