نصف قرن من الإنجازات
لم يكن الشيخ راشد بن سعيد
حينما تولى مقاليد الحكم في إمارة
دبي عام 1958 بغريب على دهاليز
السياسة ومطباتها . فقد شارك
والده الشيخ سعيد في تسير أمور
الحكم منذ عام 1939 حيث كان وليا
للعهد في وقت كان العالم ومنطقة
الخليج العربي على وجه الخصوص .
يمر بأزمات اقتصادية طاحنة فكان
أن بدأ الشيخ راشد وهو ولي لعهد
دبي ثم حاكم لها في الفترة من
1958 إلي 1990 في التصدي لتلك
المعضلات بدراية وسعة أفق منقطعة
النظير.
ولقد عملت دبي منذ أوائل
القرن العشرين على أن تكون مركزا
تجاريا لمنطقة الخليج . وظلت خلال
السنوات التي أعقبت انهيار صناعة
اللؤلؤ وما رافقها من كساد
اقتصادي محتفظة بوعيها التجاري .
غير أن اكتشاف النفط فيها بكميات
تجارية هو الذي أحدث تلك النقلة
الهائلة في دبي وفتح أمامها آفاق
جديدة مما جعلها واحدة من أكثر
اقتصاديات العالم انتعاشا.
النفط والطفرة
كانت دبي قبل اكتشاف النفط
تعتمد على التجارة وصيد الأسماك
واللؤلؤ كمصدر أساسي للدخل . ثم
تعرضت تجارة اللؤلؤ لكساد كبير في
ثلاثينيات القرن الماضي بعد ظهور
اللؤلؤ الصناعي الياباني وانتشار
استخدامه على نطاق عالمي واسع .
وكانت الغالبية العظمى من مواطنين
دبي يسكنون في بيوت من سعف النخيل
ويعتمدون في غذائهم على التمر
والسمك واللبن . وفي حقيقة الأمر
كان ذلك هو واقع الحياة في معظم
أجزاء منطقة الخليج العربي قبل ان
يشرق فجر صناعة النفط في الفترة
التي سبقت الحرب العالمية
الثانية.
وكانت دبي تعاني من عدة
معوقات تحول دون تحقيق التنمية
المنشودة وتمثلت تلك المعوقات في
نقص المدخول والثروات . وعدم وجود
راس المال الاجتماعي , ونقص
الموارد الطبيعية والتخلف
الاجتماعي والثقافي والإداري.
وعزا العميد الدكتور محمد
حافظ عبده الرهوان في كتابه{
الاستراتيجية الأمنية التنموية
للشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم }
أسباب ذلك التخلف الذي كان على
الشيخ راشد أن يواجهه عندما كان
وليا لعهد دبي ثم حاكما لها . في
عاملين اثنين هما الفقر والتبعية
الاقتصادية للخارج وفي سبيل
القضاء على تلك المعوقات انتهج
أسلوبا جديدا في التعامل مع مشاكل
التنمية على نحو ما اشرنا إليه
بالتفصيل من قبل.
وكان الشيخ راشد مصمما على
أن تصبح دبي إمارة نفطية خاصة بعد
أن بدأت بوادر الانتعاش تظهر في
اقتصاديات دول مجاورة مثل المملكة
العربية السعودية البحرين والكويت
. وبعد أن أظهرت تقارير جيولوجية
مؤشرات ايجابية على وجود النفط في
دبي . تم تشكيل شركة امتيازات
البترول المتحدة في عام 1935
ومنحت حكومة دبي هذه الشركة
امتياز التنقيب عن النفط في
أراضيها في عام 1937 وذلك بعد
مرور خمس سنوات على اكتشاف النفط
في البحرين التي شهدت ازدهار لم
يسبق له مثيل وأصرت دبي على توظيف
مواطنين من دبي في الشركة على ان
اندلاع الحرب العالمية الثانية
أوقف عمليات التنقيب عن النفط في
دبي مما اجل دخولها عصر الازدهار
النفطي.
ثم استؤنفت عمليات استكشاف
النفط بعد أن وضعت الحرب العامية
الثانية أوزراها , ولم يكن الشيخ
راشد , الذي كان يقوم آنذاك
بالتفاوض بالنيابة عن أبية يشعر
بالارتياح تجاه الشروط التي كانت
تنص عليها اتفاقيات التنقيب عن
النفط مع بعض دول المنطقة والتي
تحصل بموجبها حكومات تلك الدول
على عشرين بالمئة فقط من الأرباح.
وقد استطاع الشيخ راشد
ببراعته التفاوضية ان يطالب بحصة
متساوية من الدخل المحصل من النفط
مناصفة مع شركة النفط الإنجليزية
الإيرانية ( أنجلو إيرانيان أويل
كمباني ) ولدهشة العاملين في
صناعة النفط قبلت الشركة بشرط
الشيخ راشد . مع ذلك فان اكتشاف
النفط في المناطق البرية لم يصادف
نجاحا . فأوقفت الشركة الحفر
وأعيد الامتياز إلى الحكومة في
عام 1971.
على إن الجهود لاستكشاف
النفط لن تتوقف حتى تم العثور على
الذهب الأسود في المناطق البحرية
وبالتحديد في حقل ( فتح ) في عام
1966 فكان ذلك إيذانا بدخول دبي
عصر النفط وقد اختار الشيخ راشد
بنفسه اسم فتح لأول حقل نفطي
ليكون بمثابة فاتحة خير على
البلاد وشعبها , وكانت حكومة دبي
قد أنشأت قبل ذلك شركة نفط دبي (
دي . بي . سي) في عام 1963. وفي
اتحاد قوي من الشركات العاملة في
هذا المجال تنضوي تحت لوائه شركة
اميريكان كونتننتال ( كونوكو )
وشركة كومباني فرانسيز دوبترول .
بالإضافة إلى شركة ربسول
الأسبانية وشركة ارد دبليوتي . دي
ثى ايه . و . وينترسول.
وبدأت دبي إنتاج النفط رسميا
في السادس من سبتمبر عام 1969 ,
وتم شحن أول ناقلة بالبترول في 22
سبتمبر 1969 بحمولة 180 ألف برميل
. وفي التاسع من نوفمبر 1970 تم
اكتشاف حقل النفط الثاني في جنوب
غرب حقل فتح وبدأ إنتاجه في عام
1972 . وتوالت بعد ذلك عمليات
استكشاف النفط في دبي. فيما قام
الشيخ راشد بإبرام اثنتي عشرة
اتفاقية في الفترة مابين أكتوبر
1982 ونوفمبر 1983 .
وطالب الشيخ راشد في عام
1970 شركات النفط بأن تزيد حصة
دبي من دخل النفط من 50% إلى 55%
وشهدت أسعار النفط ارتفاعا هائلا
أبان حرب السادس من أكتوبر عام
1973 والتي حقق فيها العرب
انتصاراهم المشهود على إسرائيل.
وهكذا دخلت دبي عصر النفط
فتدفقت الموارد المالية على
الحكومة . وزادت معها مشغوليات
الشيخ راشد حتى نصحه أصدقاؤه
بالتخفيف من وتيرة نشاطه حفاظا
على صحته . ولكن الشيخ راشد
النشيط كان يرد عليهم قائلا إن
المرء يريد تحقيق الكثير إلا انه
لا يستطيع إنجاز إلا القليل.
خور دبي
كان ميناء
لنجة على الساحل الإيراني من
الخليج يمور حركة ونشاط حتى أواخر
القرن التاسع عشر . وكانت الإدارة
الإيرانية تجني منها عوائد ضخمة
من الضرائب التي تجنيها من السفن
التي ترسو فيها . وفي عام 1902
أسندت الإدارة الإيرانية إلى
موظفين بلجيكيين مهمة إدارة لنجة
فقاموا بفرض لوائح ونظم تراخيص
جديدة وضرائب أعلى . وكانت تلك
التغيرات القشة التي قصمت ظهر
البعير وأنذرت بموت الميناء.
ودفع انهيار ميناء لنجة
الكثير من التجار إلى نقل أعمالهم
التجارية إلى الضفة المقابلة
للخليج العربي حيث دبي . وقد
استفادت دبي من موقعها الجغرافي
ومن انهيار ميناء لنجة فوفرت الجو
التجاري الحر للتجار وأصحاب المهن
والغواصين للعمل فيها أبان حكم
الشيخ مكتوم بن حشر (1894 ـ 1906)
ولذلك بدأت السفن التقليدية تزداد
في ميناء دبي الطبيعي حتى أصبح في
عام 1902 يستقبل البواخر بصورة
مستمرة . ومن ثم اعتبر المركز
التجاري الرئيس للساحل المتصالح ,
وكان خور دبي هو الشريان النابض
في قلب المدينة حيث كانت ترسو فيه
السفن لتفريغ حمولتها .وكانت
القوارب الصغيرة تنقل البضائع من
هذه السفن إلى ضفتي الخور ومباشرة
إلى مخازن ومستودعات التجار التي
تقع على الخور.
وبفضل هذا الخور أخذت دبي
تستعيد نشاطها في أوائل
الخمسينيات بعد فترة كساد
سبقت ذلك مباشرة . ونظرا لمحدودية
الأرصفة كانت المراكب الخشبية
التقليدية الكبيرة تضطر إلى الرسو
كل ثلاث جنبا إلى جنب في الخور
الذي يبلغ طوله تسعة أميال . وكان
الشيخ راشد يرى أن الاضطراب
الناجم عن قلة عدد الأرصفة تسبب
في التهرب من الضرائب التي كانت
دبي في أمس الحاجة إلى عائداتها
آنذاك .
وبدا الشيخ راشد يتحدث في
مجلسه حول ضرورة تقديم المزيد من
التسهيلات في الخور لإنعاش
القدرات الاقتصادية على أن ثمة
ظاهرة سلبية بدأت تطل برأسها وهي
أن الخور بدأ يمتلئ بالطمي بدرجة
تنذر بالخطر مما يعيق حركة
الملاحة فيه . وكان الشيخ راشد
على دراية بهذا الأمر فكلف
المستشارين بإجراء مسح للخور ووضع
الخطط الكفيلة بفتح الممر المائي
بصفة دائمة.
ومن اجل تمويل عمليات المسح
قامت حكومة دبي ببيع سندات مالية
خاصة بخور دبي إلى التجار . كما
قامت بتدبير قرض بمبلغ يساوى نصف
مليون جنيه إسترليني في عام
1958/1959 لتمويل أعمال الحفر في
خور دبي . وما أن تقدمت شركة
(هالكرو) بخطة ضخمة لإعادة تطوير
الخور حتى شرع الشيخ راشد في
مناقشة المهندسين حول المزايا
النسبية لحوائط ودعائم الصلب
واستخدام المتفجرات.
وكان مقدرا أن تصل تكلفة
المشروع كله نحو 600,000 جنيه
إسترليني . وهو مبلغ فوق طاقة
حكومة دبي ويساوى إجمالي الناتج
القومي لمدينة دبي في ذلك الوقت
لعدة سنوات فكان أن تفتق ذهن
الشيخ راشد فكرة السندات المالية
تلك والتي أطلق عليها اسم سندات
الخور.
وبحلول اعم 1959 كان العمل
يجري على قدم وساق . والضجيج
المنبعث من حركة الحفارات
الميكانيكية والآليات الثقيلة
والرافعات يقض هدوء المدينة
الناعسة . وكان الشيخ راشد يزور
مواقع العمل على الخور عدة مرات
في اليوم للوقوف على سير تنفيذ
المشروع . ولم يمض وقت طويل حتى
كانت حكومة دبي تجني ثمار هذا
المشروع حتى قبل أن يكتمل . فقد
أمر الشيخ راشد باستخدام حصيلة
الحفر من الصخور والطمي لردم
المنطقة المنخفضة على جانبي الخور
وخاصة الشريط الطيني المواجه لبر
ديرة . وهكذا توفرت أراضي جديدة
على مستوى البحر في موقع من أهم
مواقع المدينة . واخذ الشيخ راشد
يبيع مساحات واسعة من هذه الأراضي
مستفيدا من عائداتها في تغطية جزء
من تكاليف تطوير خور دبي.
ومع نهاية عام 1960 كانت
شركة ( هالكرو) قد فرغت من تنفيذ
مشروع تحسين مرفأ دبي . وصبح
الخور قادرا على استقبال سفن ذات
غاطس بعمق ثمانية أقدام . وتحقق
أمل الحكومة في ان تودي عملية
توسيع الخور وتطوير البنية
الأساسية للمرفأ إلى بروز دبي
كمركز تجاري رئيسي على طول الساحل
المتصالح.
وحقق المشروع نجاحا باهرا
وزادت عوائد الرسوم الضريبية وكان
هذا المشروع هو أضخم مشروع تنموي
شهده الساحل المتصالح حتى ذلك
الحين.
وكانت الخطوة الثانية التي
قرر الشيخ راشد اتخاذها هي إنشاء
جسر يربط بين دبي وبر دبي حيث كان
من الصعب جدا الطواف حول الخور
لذلك أراد أن يربط بين طرفي
الدينة بطريق معبد يسهل السير
عليه . وبدأت الأشغال في بناء جسر
المكتوم ذي الاتجاهين بعد أن نجح
الشيخ راشد في الحصول على قرض
بقيمة 190,000 جنيه إسترليني .
وانتهى العمل في بناء أول جسر
يربط بين ديره وبر دبي في عام
1962 وقام الشيخ راشد بافتتاحه في
ذلك العام معلنا بداية مرحلة
جديدة من الحياة التجارية في
المدينة.
قطاع الطيران
كانت الطائرات البرمائية هي التي
تربط دبي بالعالم الخارجي منذ
ثلاثينيات القرن الماضي وقد اهتم
الشيخ سعيد والد الشيخ راشد بجذب
شركات الطيران العالمية . فاقنع
شركة ( امبريال ايروييز ) التي
أصبحت تعرف فيما بعد ( ببريتيش
ايروييز) بجدوى توقف طائراتها في
دبي أثناء رحلتها إلى بومباي.
وقد لاحت الفرصة الأولى
لدخول دبي قطاع الطيران في فترة
الثلاثينيات من القرن الماضي عقب
إخفاق خطط استخدام الطائرات
البريطانية الحصول على قاعدة
فحاولت شركة امبريال ايروييزو
وبدعم من الحكومة البريطانية
الحصول على قاعدة في أي من مشيخات
الساحل المتصالح لكي تستخدمها
القوات الجوية الملكية في عام
1931 إلا أن هذا الطلب قوبل
بالرفض من قبل الشيخ سعيد . ومن
ثم باءت المبادرة البريطانية
لإنشاء مطار في دبي بالفشل.
على ان الشيخ سعيد ابلغ في
عام 1933 المندوب السياسي
البريطاني المقيم في الشارقة على
موافقته على قيام الطيران الملكي
البريطاني ببناء مخزن للبترول في
خور دبي . وتم توفير قارب بواسطة
الحاكم في الخور بموجب اتفاقية
مدتها ست سنوات . وفي شهر يناير
1934 هبطت أول طائرة عسكرية في
خور دبي إيذانا ببدء عصر الطيران
في دبي.
وفي عام 1937 أرادت شركة
امبريال ايروييزو استخدام دبي
قاعدة تتوقف فيها طائراتها
المتوجهة من بغداد إلى بومباي
فوافقت دبي على الفكرة وقام الشيخ
سعيد بتوقيع على اتفاقية مدتها
سنة كاملة في يوم 22 يوليو 1937
يتعهد بموجبها بتوفير التسهيلات
التي تحتاجها شركة الطيران مقابل
440 مليون روبية هندية شهريا
شريطة أن تقوم الشركة بدفع أجور
استخدام أية مبان أخرى بصورة
منفردة.
وبعد عقدين من الزمن كان
الشيخ راشد مدركا تماما لمدى
تأثير حركة الطيران على الأسواق
العالمية .
وكان على القادم إلى دبي من خارج
المنطقة أن يسافر جوا إلى البحرين
ثم يستقبل مركبا أو سفينة إلى دبي
أو الانتظار حتى تأتي طائرة في
إحدى رحلاتها غير المنتظمة إلى
دبي . ولهذا كانت فكرة إنشاء مطار
في دبي تراود الشيخ راشد منذ وقت
طويل إدراكا منه بان المطار سيسهم
في جعل دبي مركزا إقليميا . وفي
مساء يوم من أيام عام 1958 أعلن
الشيخ راشد في مجلسه بعد أن أصبح
حاكما على دبي عزمه البدء في
إنشاء المطار في اقرب وقت ممكن
وبعد اشهر قليلة حدد موقعين
لإقامة المطار على واحد منهما في
القصيص والثاني في جبل علي
.واختيرت القصيص كموقع للمطار بعد
أن أثبتت الدراسات على التربة
مواءمتها لبناء مطار واستبعدت
منطقة جبل علي لبعدها عن دبي
والشارقة.
وبدء العمل بالفعل خلال اشهر
قليلة من اتخاذ الشيخ راشد قراره
بإنجاز المرحلة الأولى وهي تشييد
مدرج رملي محكم بطول ستة آلاف
قدم.
وفي الثلاثين من سبتمبر من
عام 1960 افتتح الشيخ راشد رسميا
مطار دبي الدولي الذي يتألف من
مبنى صغير وبرج مراقبة وضم أول
سوقين حرتين في منطقة الساحل
المتصالح . فدخلت دبي بذالك عصرا
جديدا في عالم السفر.
ولم يكن الشيخ راشد ليقتنع
إلا بمطار صالح لكل الظروف
والأجواء فأصدر قراره بالبدء في
العمل بإنشاء مدرج من القار
للمطار بعد افتتاحه بسنتين . حيث
بدئ العمل به في شهر مايو 1963
وانتهى العمل في المدرج الذي بلغ
طوله 9200 قدم وافتتحه الشيخ راشد
يوم 15مايو1965.
ومع زيادة حركة الطيران في
دبي أمر الشيخ راشد بإعداد خطط
لإنشاء مبني للمطار الجديد
بالإضافة إلى مدرج يمكنه استيعاب
الخطوط الجوية العالمية . وقد بدء
العمل في تنفيذ المشروع الذي بلغت
تكلفته 6,8 مليون جنيه إسترليني .
في 15ابريل1969 وافتتحه الشيخ
راشد رسميا في 10مايو1971.
ميناء راشد
في مطلع الستينات ومع توسعة
خور دبي اخذ مستوى المعيشة في
مدينة دبي في التحسن بفضل توفير
المرافق الأساسية و زادت مع هذا
التحسن في المعيشة حركة الملاحة
في الخور الأمر الذي أحدث اضطرابا
في المرور عبره ، وقد وصل متوسط
عدد السفن التي تدخل دبي في أواخر
الستينات 4000 سفينة في السنة ،
وكانت السفن عابرة المحيطات ترسو
في الخليج بعيدا عن شاطئ دبي حيث
يجرى تفريغها وشحنها بواسطة صنادل
تجرها القاطرات.
ولهذا فقد اقتنع الشيخ راشد
بضرورة إنشاء ميناء في المياه
العميقة وبحلول عام 1967 كان
المهندسون المصممون يقومون برسم
مخططات ميناء في منطقة الشندغة
التي اختيرت لعمق مياهها ولوجودها
على مقربة من مدخل الخور. وقد وضع
التصميم الأول بحيث يتألف الميناء
من أربعة أرصفة قادرة على استقبال
السفن عابرة المحيطات وناقلات
البترول وأطلق على الميناء اسم
ميناء راشد وكانت الأعمال
الإنشائية لهذا الميناء هي اكبر
أعمال إنشائية شهدتها دبي حتى ذلك
الحين ولكن قبل الانتهاء من جميع
أعمال الإنشاء أعطى الشيخ راشد
أمرا مفاجئا بإنشاء ستة عشر رصيفا
بدلا من أربعة.
وعندما افتتح حاكم دبي ميناء
راشد في أكتوبر عام 1971. إي بعد
خمس سنوات من بدء أعمال الحفر
الهندسية تبين إن القرار الذي كان
الشيخ راشد قد اتخذه بزيادة عدد
الأرصفة كان قرارا عبقريا بالفعل
فبحلول موعد الافتتاح كانت
الأرصفة محجوزة بالكامل.
وفي فبراير عام 1976 بدأت
مرحلة جديدة في تطوير الميناء إذ
أضيف عشرون رصيفا فيها خمسة أرصفة
مخصصة للحاويات تستقبل اكبر السفن
حجما كما تم توسيع منطقة التخزين
إلى ثلاثين ألف متر مربع . بما في
ذلك منطقة متطلبات التخزين الخاصة
التي أصبحت تضم أربعمائة ثلاجة.
كما قامت حكومة دبي بتطوير
ميناء الحمرية عام 1975 لكي يخدم
سفن البوم والسفن الخشبية التي
تنتقل على ساحل الخليج.
ولقد مكن ميناء راشد مدينة
دبي من تعزيز موقعها كمركز تجاري
في منطقة الخليج . وكان لوقوعه
بالقرب من المصارف والمكاتب
التجارية . وكذا نظام تشغيله عالي
الكفاءة . وخلو عملياته من
التعقيدات الإدارية وأرصفته
المصممة تصميما ومخازنه ومنشاته
الأخرى كل ذلك سهل على التجار
استيراد بضائعهم وساعد كثيرا من
الوكالات وشركات التأمين وشركات
عمالة إصلاح السفن وغيرها من
المؤسسات على اتخاذ دبي مقرا لها.
الميناء الصناعي بجبل علي
استيقظ البريطاني نيفيل ألن الذي
جاء إلى دبي عام 1958 كممثل لشركة
هالكرو في الساعة الخامسة من
صبيحة احد الأيام في منتصف
سبعينيات القرن العشرين على رنين
الهاتف وجاءه صوت على الطرف الأخر
يخبره بان حاكم دبي يريد أن يراه
على قمة تل صغير قرب قرية جبل علي
، وانزعج ألن من الطلب المفاجئ
فأسرع إلى حيث التلة الصغيرة ووجد
الشيخ راشد وبعض المسئولين في
انتظاره فأشار الشيخ راشد بيده
ناحية الساحل القريب قائلا ..
هناك أريد إنشاء الميناء ..
وبطريقته الخاصة شرح لألن فكرته
ثم طلب في حينها معرفة التكلفة
التقديرية للمشروع فأعطاه ألن
رقما تقريبا بتكلفة المشروع تحت
إصرار الشيخ راشد الذي أمره
بالبدء في العمل في هذا المشروع
ويصف نيفيل ألن الشيخ راشد بأنه
كان إنسان ذكيا بدرجة غير عادية
ويعمل بسرعة البرق وكان الشيخ
راشد دائما يقول انه يريد أن يبني
ميناء صناعي لان ميناء راشد مختص
في التعامل بشحنات البضائع
المستوردة للاستخدامات المدنية.
وقد استغرق الأمر أربع سنوات
وتحديدا حتى الثاني من أغسطس عام
1976 عندما تم حفر الأرض تمهيدا
لإنشاء ميناء جبل علي وأنتها
العمل من إنشاء أول رصيفين خلال
ثمانية عشر شهرا وقد عمل الميناء
بكامل طاقته في يونيو 1979 وهو
يقع على بعد خمسة وثلاثين كيلو
مترا من مدينة دبي ومائة وعشرين
كيلو متر من مدخل الخليج . وفي
حقيقة الأمر كان الشيخ راشد يشعر
بأن منطقة جبل علي يمكن ان تصبح
اقرب إلى المدينة في حالة توفر
وسائل المواصلات والطرق الحديثة .
وفي نفس الوقت هي بعيدة عن
المدينة بما يكفي لكي تكون منطقة
تصنيع من اجل جذب مزيد من الأعمال
التجارية إلى الإمارات . ومرة
أخرى تثبت الأيام إن الشيخ راشد
كان على حق تماما عندما اختار
منطقة جبل علي لإقامة ميناء صناعي
فيها وبعد أن بدا الميناء العمل
دخلت التنمية الصناعية في طور
التنفيذ على قطعة من الأرض تبلغ
مساحتها حوالي 5000 كم خصصت لهذا
الغرض بالقرب من الميناء ، فنشأت
شركات صناعية كبيرة مثل شركة
ألمونيوم دبي ( دوبال ) التي
تعتبر اليوم واحدة من اكبر شركات
إنتاج الألمونيوم في العالم
ومصدرا من مصادر العملة الأجنبية
للدولة وشركة غاز دبي (دوغاز)
ومصنع للاسمنت ومصنع لأساسيات
البناء من الحديد والصلب ومصنع
كابلات الكهرباء ومحطة للكهرباء
وغيرها من منشات . ووفرت المنطقة
الصناعية عددا كبيرا من الأراضي
الممتازة لتطوير الصناعات . وبنيت
الطرق وزودت المنطقة بالخدمات مثل
الاتصالات السلكية واللاسلكية
والماء والكهرباء . وتمت
الاستفادة من الحرارة العالية
الناتجة عن صناعة الألمنيوم في
تشغيل محطة كبرى لتحلية المياه
تنتج نحو 35 مليون جالون من
المياه العذبة (دوغاز) بتكلفة
قيمتها 400 مليون دولار . وهي
اليوم واحدة من أهم المؤسسات
الصناعية في منطقة الخليج والتي
أنشئت بمرسوم من حاكم دبي عام
1977 . وفي نفس السنة أمر بإنشاء
شركة دبي للكابلات (دوكاب) في نفس
المنطقة بكلفة 22 مليون دولار
واعتبرت الميناء منطقة حرة وهي
الأولى من نوعها في منطقة الخليج
وتتمتع البضائع التي تصل جبل على
بقصد إعادة التصدير أو العبور
بإعفاء جمركي كامل بالإضافة إلى
الإعفاء من رسوم العبور وفترة
طويلة من التخزين المعفي من
الرسوم.
وما كاد الناس يفيقون من
الدهشة التي صاحبت قرار الشيخ
راشد بإنشاء ميناء جبل علي حتى
فاجأهم بعد أسابيع قليلة بمشروع
أخر وهو بناء الحوض الجاف الذي
كان احد الأحلام التي كانت تراود
الشيخ راشد لاستكمال البنية
الأساسية لدبي ونبعت الحاجة لبناء
هذا الحوض بعد تزايد الملاحة على
ميناء راشد مما جعل وجود حوض
لإصلاح السفن وصيانتها أمرا
ضروريا وقام الشيخ راشد بالتوقيع
على اتفاقية إنشائه في أواسط شهر
مايو عام 1972 ، وفي عام 1979 تم
افتتاح الحوض الجاف الذي أشتمل
على ثلاثة أحواض يستوعب واحد منها
سفنا حمولتها مليون طن واسندت
رئاسة تلك المنشأة إلى الشيخ محمد
بن راشد .ويعد ميناء جبل علي الذي
انتهى العمل فيه بالكامل عام 1981
اكبر ميناء في الشرق الأوسط ليضيف
بذلك الشيخ راشد إنجازا جديدا
لسجل إنجازاته العديدة فقد قال
حاكم دبي مرة عن مشروع ميناء جبل
علي " إن إقامة هذا الميناء يأتي
تمشيا مع خططنا لجعل هذا البلد
مركزا له شأنه في المجتمع العالمي
. ولكي نحول بلدنا من بلد يعتمد
على التجارة فقط إلى مركز يساهم
في الصناعات العالمية المتطورة
ويسهل السبل إمام هذه الصناعات
لتمضي قدما في خدمة الإنسانية
ومجالات الحياة المختلفة " .
ويصف جريم ويلسن في كتابه (
راشد بن سعيد آل مكتوم الوالد
والباني ) ميناء جبل علي بأنه
أضخم ميناء من صنع الإنسان وثاني
أضخم مشروعين انجزهما الإنسان على
وجه الأرض بعد سور الصين العظيم .
وهما المشروعان الوحيدان اللذان
يمكن رؤيتهما من على سطح القمر .
وقد بلغت تكلفة بنائه 6,2 بليون
درهم أي ما يعادل 3ميارات دولار .
وشيد الميناء في منطقة رملية
صحراوية تبلغ مساحتها 160 مليون
ياردة مربعة من الرمال والحصباء
والحجارة.
جداف دبي
لعبت النظرة الثاقبة للشيخ راشد
دورا هاما في تنشيط جداف دبي الذي
يقع على بعد 1500 متر تقريبا عن
جسر القرهود . وهو جزء من خور دبي
. فقد كان حاكم دبي مدركا للأهمية
الاستراتيجية لهذا الموقع الذي
يشكل حوضا طبيعيا مع نهاية خور
دبي . فأصدر مرسوما أميريا بإنشاء
جداف دبي.
وقد افتتح المشروع رسميا عام
1978 م وبلغت تكلفته 45 مليون
درهم وعلى الرغم من انه أنشئ
أساسا ليكون مكانا لإصلاح وصيانة
السفن الخشبية وقوارب الصيد إلا
انه شهد توسعا سريعا على مر
السنين ليثبت نظرة الشيخ راشد في
أهمية هذا الموقع الذي يمكن
الوصول إليه عبر الطريق الرئيسية
المؤدية إلى جسر القرهود في بر
دبي ، وقد أصبح الجداف حاليا
قادرا على استيعاب كافة أنواع
السفن اعتبارا من الزوارق واليخوت
الصغيرة ومرورا بسفن البضائع
وانتهاءً بزوارق الإمداد والسفن
العاملة في مجال النفط .
والجداف مزود بنظامين
متطورين لرفع السفن إلى الحوض
الجاف ، وتستطيع الوحدة الصغيرة
رفع سفن يصل وزنها إلى 435 طنا .
ويصل طول منصة الحوض إلى 40 مترا
وعرضها 12 مترا ولهذا فإن
بإمكانها استيعاب 42 سفينة من ذلك
الوزن أما الرافعة الكبيرة فتصل
حمولتها إلى 2520 طنا وتستطيع
الرافعة الكبيرة في الحوض التعامل
مع أية سفينة تتمكن من العبور بين
الفتحتين الموجودتين في جسري
المكتوم والقرهود أي السفن التي
يصل عرضها إلى 26 مترا .
وقد شهد الجداف عدة توسعات
أمر بها الشيخ راشد وذلك بعد أن
حقق الجداف الغرض والهدف الرئيسي
لإنشائه وهو تقديم أفضل الخدمات
والتسهيلات بأنسب الأسعار الأمر
الذي أدى إلى اتساع الجداف وتنامي
أنشطته .
ويعتبر جداف دبي اليوم من
أبرز المشروعات الاقتصادية
المساعدة التي نفذتها حكومة دبي
في عهد صاحب السمو الشيخ راشد بن
سعيد آل مكتوم ، ولا يقدم الجداف
خدمات إصلاح السفن بشكل مباشر ،
وإنما تقوم بذلك شركات متخصصة في
مجال الهندسة البحرية تتخذ من
الجداف مقراً لها ، ويوفر الجداف
التسهيلات والخدمات لشركات
الملاحة المحلية والدولية بمستوى
عال من الكفاءة ، ويدير
الجداف مجلس إدارة من الكفاءات
الوطنية تم تشكيها عام 1980م
بموجب مرسوم أميري أصدره الشيخ
راشد . وقد أكد نجاح مشروع الجداف
مدى بعد نظر الشيخ راشد عندما قرر
إنشاءه في ذلك الوقت .